Juillet
تموز
28
2026
28
- تموز
- 2026
المباحث العلمية
المختبر الجنائي
10-08-2024
 
جمع الأدلة الجنائية وسط القصف والحرب
  جنان الخطيب  

تخيل أنك محقق جنائي في قطاع غزة. بدلاً من البحث عن أغلفة الطلقات أو الحمض النووي أو البصمات أو أنواع الأدلة التقليدية الأخرى، ستجد نفسك غارقاً في بحر من الأشلاء البشرية المتناثرة. قد تجد ذراع طفل رضيع هنا أو إصبع قدمه هناك، أو ربما رأس مسن. وفي خضم هذا الدمار والفوضى، يتعين على المحققين الجنائيين مواجهة تحديات غير مسبوقة لجمع الأدلة وتحقيق العدالة. في هذا المقال، سنستعرض أبرز التحديات التي تواجه جمع الأدلة في ظل القصف الوحشي الممنهج على قطاع غزة

في قلب الجحيم، حيث تعصف قذائف وصواريخ جيش الاحتلال الإسرائيلي بسماء قطاع غزة وتشتعل النيران بأجساد المدنيين، تظهر مهمة المحققين الجنائيين. تلك المهمة المعقدة والشاقة، التي تتطلب الجرأة والشجاعة لجمع الأدلة في أخطر الظروف، تلعب دورًا حيويًا في كشف الحقائق وتقديم الجناة للعدالة. لكن ما الذي يجعل من جمع الأدلة في ظل القصف مهمة شبه مستحيلة؟  

1- الأمان الشخصي للمحققين
أول وأهم تحدٍ يواجه المحققين هو الحفاظ على سلامتهم الشخصية. فالقصف المستمر والانفجارات تشكل خطرًا كبيرًا على حياة المحققين والعاملين في المجال الجنائي. هذا الخطر الدائم يؤثر سلباً على قدرتهم على التركيز والعمل بكفاءة. لذلك، على الفرق الجنائية ارتداء المعدات الواقية والاعتماد على خطط أمان دقيقة لتقليل المخاطر.

2- الوصول إلى مسرح الجريمة
تدمير البنية التحتية وانهيار المباني بسبب القصف يعوق الوصول السهل إلى مواقع الجريمة. الطرق المغلقة، والأنقاض، والحطام تجعل من الصعب التنقل والوصول إلى المواقع المستهدفة. قد يستغرق الأمر وقتًا طويلاً لفتح الطرق وتأمينها للوصول إلى الأماكن المستهدفة.

3- الحفاظ على الأدلة
القصف والانفجارات قد تؤدي إلى تدمير الأدلة أو تلوثها. الحرارة الناتجة عن الانفجارات يمكن أن تحرق الأدلة العضوية، في حين أن الهزات الناتجة عن الانفجارات قد تتسبب في تحطم الأدلة الفيزيائية مثل الزجاج والبصمات. هذا يضع تحديًا كبيرًا أمام المحققين للحفاظ على الأدلة سليمة وقابلة للتحليل. تتسبب القنابل بأضرار كارثية، غالبًا ما تدمر الأدلة أو تشتتها إلى درجة لا يمكن التعرف عليها. مهمة إعادة بناء مسرح الجريمة من الأنقاض هائلة، وقد تتعرض قطع مهمة من اللغز للضياع إلى الأبد.

4- جمع الأدلة في بيئة غير مستقرة
البيئة المتغيرة وغير المستقرة بفعل القصف المستمر تجعل من الصعب على المحققين العمل بشكل فعال. التغييرات المستمرة في الوضع الأمني قد تجبر الفرق الجنائية على مغادرة الموقع بسرعة، مما يعوق جمع الأدلة بشكل شامل. 
إلى ذلك ضمان سلسلة الحفظ (Chain of Custody)، وهو مبدأ أساسي في العلم الجنائي، أمر شبه مستحيل في فوضى الحرب. يمكن أن يتم التعامل مع الأدلة بشكل خاطئ أو تلوثها أو حتى سرقتها بسبب نقص التخزين والنقل الآمن.

5- التحديات اللوجستية
نقل المعدات الجنائية والتكنولوجية اللازمة إلى مناطق النزاع يشكل تحديًا كبيرًا. نقص الوقود، الحواجز العسكرية، وانعدام وسائل النقل قد تعيق الوصول إلى المعدات الضرورية لتحليل الأدلة في الموقع.

6- التعامل مع الضحايا والشهود
التواصل مع الضحايا والشهود في مناطق الحرب يتطلب حساسية وفهمًا عميقين. الأشخاص في هذه المناطق قد يكونون في حالة صدمة، ويحتاجون إلى دعم نفسي قبل أن يتمكنوا من تقديم المعلومات أو التعاون مع الفرق الجنائية.

تحديات استخراج المقابر الجماعية
يمثل استخراج المقابر الجماعية تحدياً كبيراً ومعقداً للأخصائيين في الطب الشرعي والآثار. تعمل هذه الفرق في ظروف قاسية وصعبة، حيث تواجه عقبات عديدة لكشف الحقيقة. تقع المقابر الجماعية غالباً في مناطق وعرة يصعب الوصول إليها. الألغام الأرضية والقناصة والهجمات المسلحة تشكل خطراً دائماً على المحققين، مما يزيد من صعوبة عملهم، إضافة إلى أن الظروف المناخية القاسية، مثل الحرارة الشديدة أو البرد القارس، يمكن أن تعيق عملية الاستخراج وتؤثر على سلامة الفريق.

إلى ذلك، فإن الوقت عامل حاسم في عمليات الاستخراج. عوامل مثل الطقس، تدخل الأطراف المختلفة، وعمليات التنظيف، يمكن أن تؤدي إلى تدهور الأدلة بسرعة. لذلك، يتطلب العمل سرعة ودقة عالية.

في حين أن التعاطف أمر بالغ الأهمية لفهم خطورة الجرائم إلا أن من المهم أيضًا الحفاظ على الانفصال المهني لضمان التحقيقات الشاملة والدقيقة

الأضرار التي تلحق بالجثث بسبب مرور الزمن، مثل التعفن والتلف بسبب الحيوانات، تشكل تحدياً كبيراً في عملية التعرف على الهويات. كما أن حجم المقابر الجماعية الضخم يتطلب فرقاً كبيرة من الخبراء للعمل بشكل متواصل ومتناغم.

التحديات النفسية
يواجه المحققون والخبراء الجنائيون في مناطق الحرب تحديات نفسية هائلة. التعرض المستمر لمشاهد الجريمة المروعة، بما في ذلك جثث الضحايا المدنيين والأطفال، يمكن أن يترك آثاراً عميقة على الصحة العقلية كما يمكن أن يؤثر بشكل كبير على قدرة المحققين على أداء مهامهم. إلى ذلك، يمكن أن تؤدي الاستجابة العاطفية لصور الأطفال الشهداء إلى خلق ارتباط شخصي قوي بالضحايا، مما قد يؤثر على الموضوعية وإلى اتخاذ قرارات عاطفية بدلاً من المنطقية، وقد تدفعهم إلى الاستعجال في استنتاجاتهم من دون التحقق الكامل من الأدلة. في حين أن التعاطف أمر بالغ الأهمية لفهم خطورة الجرائم، إلا أن من المهم أيضًا الحفاظ على الانفصال المهني لضمان التحقيقات الشاملة والدقيقة.

الواقع الافتراضي يكشف الحقيقة
يمكن أن تساهم التكنولوجيا الحديثة بشكل كبير في التغلب على التحديات التي يواجهها التحقيق الجنائي في مناطق الحرب. على سبيل المثال، يمكن استخدام الطائرات بدون طيار لفحص مسرح الجريمة عن بعد وتحديد الأهداف الرئيسية. يمكن أيضاً استخدام التصوير الجوي والفضائي لتوثيق الأضرار وتحديد الأنماط.
الواقع الافتراضي والواقع المعزز يمكن أن يستخدما لإعادة بناء مسرح الجريمة بشكل ثلاثي الأبعاد، مما يساعد المحققين على فهم أفضل لما حدث. يمكن أيضاً استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور والفيديوهات والكشف عن الأدلة الخفية.
كما تعتبر التقنيات الرقمية مثل جمع الأدلة الإلكترونية والتحليل الجنائي الرقمي أدوات قيمة في التحقيقات الحديثة. يمكن استخدام هذه التقنيات لاستخراج المعلومات من الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر وغيرها من الأجهزة الإلكترونية.
من خلال الاستفادة من هذه التقنيات، يمكن لفرق التحقيق الجنائي جمع الأدلة بشكل أكثر كفاءة وأمان، وتحسين فرص العدالة للضحايا.

روزنامة الجرائم الإسرائيلية
توثيق جرائم الحرب على قطاع غزة هو الخطوة الأولى نحو تحقيق العدالة. من خلال جمع الأدلة والشهادات والصور والفيديوهات، يمكن بناء ملفات قوية تستخدم في المحاكم الدولية. فالإعلام يعتبر شاهداً أساسياً على جرائم دولة الاحتلال. من خلال التوثيق ونشر التقارير الميدانية والتحقيقات الصحفية، يمكن تسليط الضوء على الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون وكشف الحقيقة للرأي العام العالمي.
توثيق جرائم الحرب على غزة ليس فقط واجب «القوس» الأخلاقي، بل هو أيضاً استثمار في المستقبل. من خلال توثيق هذه الجرائم، نضمن عدم نسيان الضحايا وتكريم ذكراهم، كما نرسل رسالة واضحة مفادها أن مرتكبي هذه الجرائم لن يفلتوا من العقاب.