سوزان مكي
ليس كل ما يروى عن النزوح في لبنان يروى. فإلى جانب الأرقام الرسمية والمخيمات والمراكز المعلنة، ثمّة عالم صامت لنازحين "مخفيين" لم تسجل أسماؤهم في أي منظمة، ولا يطلبون المساعدة، بل يستدينون لكيلا يظهروا بمظهر الفقراء. هذا العالم هو الذي كشفته ممارسة ميدانية امتدت لثلاث سنوات، لم تنتظر فيها أياد بيضاء, والايادي البيضاء التي كتب عنها في هذا التقرير هي يد رجل الاعمال الاقتصادي السيد امين فتوني, دور الدولة، بل بنت نموذجا خاصا للأمن الاجتماعي ربطته مباشرة بما يعرف بـ “الاقتصاد الصامد"، مؤكدةً أن الأول دون الثاني لا قيمة له في زمن الحروب والحصار. حرب لم تبدأ في عام 2023.. الجذور الاقتصادية للدمار الحرب لم تبدأ في عام 2023، كما يحاول البعض اختزال المشهد. بل سبقتها حرب اقتصادية منهجية انطلقت عام 2019، استهدفت القطاع المصرفي بصفته أحد أهم أعمدة الاقتصاد اللبناني. لم تكن تلك الحرب مجرد انهيار مالي، بل كانت موجّهة بدقة نحو "طائفة معينة"، بوصفها صاحبة أكبر الودائع وأكثر المستفيدين من تحويلات المغتربين التي كانت تصب بأغلبها نحو الجنوب اللبناني. واستخدمت العقوبات الدولية كأداة ضغط إضافية ضمن هذه الحرب الاقتصادية، قبل أن تتحول المواجهة في عام 2023 إلى حرب عسكرية مكشوفة. ومع ذلك، فإن تأثير الحرب الاقتصادية على تحويلات المغتربين ظل محدودا، بفضل صمود الأفراد وتماسك العلاقات العائلية التي تجاوزت محاولات القطع. النازح المخفي.. أزمة الكرامة قبل الجوع وسط هذا المشهد، ظهرت فئة لم تنتبه إليها تقارير الإغاثة التقليدية: "النازحون المخفيون". إنهم أشخاص لا يستطيعون العيش في المدارس ومراكز الإيواء، ليس لأنهم يملكون بديلا، بل لأن عزّة النفس تمنعهم من الظهور كـ “نازحين رسميين". لقد استنزف المستضيفون الأوائل (أقاربهم أو أصدقاؤهم) تماما، وأصبحت الأسرة المضيفة غير قادرة على تقديم أي إعالة، خصوصا عندما يكون النازحون من نفس العائلة، مما يضاعف الأعباء النفسية والاقتصادية. وصل الأمر بهؤلاء النازحين إلى أن يطلبوا المال "بالدين" من جيرانهم أو معارفهم، بدلا من أن يتلقوه كمساعدة عينية. وهذا السلوك، كما تُظهر الممارسة الميدانية، ليس مجرد خيار مالي، بل هو مقاومة يومية لسقوط الكرامة، وهو جوهر الأمن الاجتماعي الحقيقي الذي تحفظه المنظمات الإنسانية. نموذج تدخل استباقي.. من لقمة العيش إلى كرامة السكن في زمن تنهار فيه الدول، تبنى الأيادي البيضاء اقتصادات موازية لا هدف لها إلا بقاء الإنسان. وهنا يتجلى جوهر الأمن الاجتماعي كجزء لا ينفصل عن الاقتصاد المقاوم لم تبدأ اليد البيضاء من فراغ. البداية كانت متواضعة ;كما أشارالسيد فتوني: "حصص غذائية" تهدئ ألم الجوع. لكنها سرعان ما اكتشف أن النازح اليوم لا يخاف من المعدة الخاوية بقدر ما يرتعب من فكرة الطرد. قرأت الايادي البيضاء ما بين السطور، النازح المستأجر لا ينام جائعا، بل يرقد مرعوبا من إخلاء منزله. ومن هذا المنطلق لم تقف الأيادي البيضاء عند حد إعادة ترتيب الأولويات، بل تجاوزته إلى الفعل المباشر الأكثر دلالة على عمق الإنسانية بل ذهبت شهريا الى دفع 75 ألف دولار، توزعها بمعدل 300 إلى 500 دولار لكل نازح في نطاق جغرافي ممتد بين عرمون والجنوب والضاحية الى كسروان. تارةً كإيجارات لثلاثة عشر منزلاً لنازحين مستاجرين، وتارةً كستة منازل مجانية لهم، وتارةً كأموال نقدية عبر علاقات فردية لتغطية الكهرباء والإنترنت. وأحياناً كثيرة كثياب وأدوات نظافة تحفظ للإنسان كرامته قبل جسده. هذا ليس إغاثة عابرة. إنه استثمار في أمن اجتماعي صامد، لأن النازح الذي يحمي سقفه اليوم هو منتج قادر على بناء الغد. وفي بلد محاصر اقتصادياً، يصبح كل إيجار مدفوع وكل فاتورة كهرباء مسدّدة بمثابة رصاصة في قلب مشروع الحصار. الأمن الاجتماعي الصامد يبدأ من حيث تنتهي المنظمات: من كرامة نازح يرفض أن يكون رقماً، ومن أيادٍ بيضاء تعرف أن الاقتصاد الحقيقي يُبنى تحت القصف، لا في قاعات الاجتماعات. من المساعدة إلى الإنتاج.. خطة الاستمرارية عبر الدين الحسن أدرك القائم على هذا العمل، السيد فتوني، أن الاستمرارية لا يمكن أن تعتمد على الهبات مهما كبرت. لذلك، تم الانتأوضح من منطق "المساعدة" إلى منطق "إعادة التفعيل الإنتاجي". هؤلاء النازحون لم يكونوا عالة على المجتمع قبل الحرب؛ بل كانوا فاعلين، يملكون مهناً حرة، ويعملون في المجتمع، لكن الحرب دمرت مكانهم ومصلحتهم، وليس شخصهم أو مهارتهم. وأشار السيد فتوني أن الخطة المستقبلية التي بدأ العمل عليها ترتكز على:
- تشجيع العودة إلى المهنة الحرفية: لكل نازح مهنة معينة (حلاق، نجار، خياط، صاحب مصلحة صغيرة)، سيتم العمل على إعادته إلى هذه المهنة في مكان النزوح الجديد.
- تقديم دين على سبيل الاستدانة : سيتم تقديم أموال على شكل دين وليس هبة لهؤلاء الحرفيين. الهدف ليس استرداد المال، بل خلق شعور بالالتزام والإنتاجية. من يقترض ليعمل هو إنسان يستعيد كرامته. الغاية هنا نفسية واجتماعية قبل أن تكون مالية.
- التأقلم في مكان النزوح: الهدف هو مساعدة النازحين على التكيف مع بيئتهم الجديدة، وإعادة تفعيل القديم في إطار جديد، بدلاً من العيش كمنتظرين لعودتهم أو كمتلقين سلبيين للمساعدات.
هذا التصرف، رغم كونه فردياً ومن تمويل شخصي عبر شركات خاصة أو مهرجانات يعود ريعها للنازحين، إلا أنه ينطلق من رؤية وطنية قومية وإنسانية بحتة. الأمن الاجتماعي والاقتصاد الصامد.. حتمية التكامل لا يمكن فصل الأمن الاجتماعي عن الاقتصاد الصامد. بل الأصح أن نقول: الأمن الاجتماعي وحده، في بلد مثل لبنان، ليس مجرد قيمة قليلة إنه معدوم الفعالية، بل لعبة تضليل. لأنك حين تحمي جائعا اليوم ولا تحمي سوقه غدا، فأنت تطيل ألمه لا تعالج علته. ما يحدث اليوم ليس حرباً عسكرية فقط، إنه حصار اقتصادي متكامل، يدار ببرود من يخطط لهدم الوطن من داخله وآلياته واضحة ومكشوفة: - السيطرة على نقاط البيع: لا لشيء، بل لاحتكار المواد الأساسية، ومنع رجال أعمال محددين من فئة معينة من الوصول إلى السوق. - منع المتمولين من فئة معينة من دخول السوق، تمهيداً للاستحواذ على التجزئة والتوزيع بالكامل. - الترويج للتطبيع الإسرائيلي عبر لبنانيين مدعومين أميركياً، لفتح الأسواق للبضائع الإسرائيلية كذريعة، وكجزء مكمّل من الحصار الاقتصادي. إذاً، الاقتصاد الصامد والمتكامل ليس خياراً ترفيهياً. إنه أولوية قصوى بلا بديل. وأولوياته واضحة كالشمس:
- استقطاب الأموال عبر لوبيات مؤثرة تعيد توجيه رأس المال من مضارباته القاتلة إلى إنتاج حقيقي.
- بناء لوبي اقتصادي قوي يُفرض في كل مجال: الاقتصاد، التربية، الصناعة. لأن الاقتصاد بلا تكامل قطاعي هو جسد بلا روح.
- ربط الأمن الاجتماعي بهذا التكامل، بحيث تصبح حماية النازح اليوم استثماراً في يد عاملة منتجة غداً، وليس نفقة إنسانية تبخرت بآخر صفقة.
إن قراءة هذا النموذج الميداني تقود إلى استنتاج واحد لا مفر منه: في زمن الحروب المركبة، حيث تُستخدم الأزمات الاقتصادية والسيطرة على الأسواق كأسلحة، يصبح الأمن الاجتماعي مجرد مسكن للآلام إن لم يكن جزءاً عضواً من اقتصاد صامد شامل. ما قامت به الأيادي البيضاء وتحديدا رجل الاعمال الاقتصادي السيد امين فتوني, على مدى ثلاث سنوات هو برهان حي على أن حماية الإنسان هي البوابة لحماية الاقتصاد، وأن الدين الحسن للحرفي النازح هو استثمار في مواجهة حصار أكبر. أما الاستمرارية فمرهونة بتحويل هذا الجهد الفردي إلى سياسات وطنية تضع "الاقتصاد الصامد والشامل " في صلب أي خطة للخلاص. الكاتبة والباحثة: سوزان مكه 14 حزيران 2026 خاص الوكالة نيوز

