د.شهد الحموري ماسكًا قلمه الرصاصي، ومتأمّلًا في كلمات القانون: ما هي المعادلة السحرية التي تسمح لنواف سلام أن يدافع عن عقد إذعان استعماري باسم السيادة اللبنانية؟ وما هي رمزية نواف سلام في المساحة الحقوقية والتحررية؟
كما يذكّرنا الاقتصادي الراحل سمير أمين، نحن نعيش في عالم خانق تتمركز فيه السلطة في يد نخبة اقتصادية عابرة للحدود. لم يكن الحال على هذا النحو دائمًا؛ فقواعد اللعبة اليوم تختلف بشكل ملحوظ عن تلك التي حكمت العقود الماضية.
لهذه المرحلة التاريخية خصائص فريدة، ولعل من أبرز خصائص السلطة السياسية والاقتصادية في عصرنا الحالي قدرتها على تشويه المعنى؛ فهي تبتلع حاجة الجموع إلى المعنى وتلفظ أشباه المعاني. الهدف هو الإبقاء على شعور الحرية والأمل، وفتح الباب أمام السعي نحو المعنى، ولكن مع حصر هذا السعي ضمن أطر لا تمس مصالح النخبة. فإذا كنت، مثلًا، شغوفًا بالحفاظ على البيئة، يُسمح لك بالدفاع عنها ضمن حدود المؤسسات المدنية التي قد يكون لها أثر إيجابي، لكنها تعمل دائمًا تحت سقف واضح وصريح. أما إذا حاولت التدخل في عمل شركات الطاقة أو الاعتراض الجدي والعملي على أرباح المستثمرين، فستلسعك شِباك المنظومة فورًا. وإن كنت، مثلنا، تنادي بالتحرر من قبضة الاستعمار الذي نهش لحم شعوب المنطقة، فلن تسمح لك المنظومة بالسير قدمًا إلا ضمن إطار «قضية إنسانية» غايتها القصوى المساعدات الأجنبية (وهو المسار المؤسساتي الرسمي للحكومة اللبنانية). ولو حاولت مقاومة هذا الاستعمار ضمن إطار تحرري، فستلسعك شِباك المنظومة فورًا.
لقد اعترضت هذه الشِّباك طريق كثيرين منا ممن حاولوا سلوك السبل المؤسساتية للاعتراض على الإبادة في غزة. وكما يتضح من الواقع، فإن المصالح الإسرائيلية تتقاطع مع مصالح النخبة الاقتصادية العابرة للحدود (على الأقل في الوقت الراهن، ونأمل ألّا يدوم هذا التقاطع). وبناءً عليه، كان للاعتراض على الإبادة نقطة بداية واحدة، هي رفض شِباك المنظومة العالمية برمّتها. وبالتالي، أصبح خيار التمرد على هذه المنظومة واجبًا على كل من يعيش تحت وطأة التبعية الصهيو-أمريكية. أمّا تصوير هذا الطريق على أنه إيراني أو شيعي حصراً، فليس إلا شكلًا من أشكال الاستخفاف بمحورية الإبادة في عصرنا.
في هذه المعادلة، يحتل القانون الدولي مكانة مهمة في تنميط المنظومة العالمية، ولا يمكن توظيفه لغايات مغايرة دون فهم علاقته بهذه المنظومة. يمتلك القانون الدولي قدرة شبه سحرية على تشويه المعنى باسم الحق والعدل؛ فعبر عصاه «السحرية» يتحوّل الاستعمار الصهيوني إلى «احتلال» بدافع الأمن، والتهجير القسري إلى «إخلاء إنساني»، والمقاومة إلى «إرهاب»... إلخ. وفي الحالات الأقل وضوحًا، تسمح لغة القانون الدولي للحقوقيين ببث الضبابية في المشهد، بحيث تنصرف الأبصار عن الحقيقة وتنشغل بتحليل عالم موازٍ خلقه القانون. ولم تكن هذه القدرة التشويهية بهذا الوضوح في مطلع هذا القرن، حين هرع المحامون العرب من الجيل السابق إلى هذه المساحات، وتركوا التنظيم السياسي (وأحيانًا أُجبروا على ذلك) ورفعوا كتب القانون.
تعامل المحامون العرب الليبراليون مع القانون الدولي، في العديد من الأحوال، تعامُلًا «موضوعيًّا» بمعزل عن أي تحليل سياسي، باسم الترفع عن ضوضاء الحيّز السياسي. وبهذا تناسوا أنّ هذا القانون يختلف جذريًّا، في مصادره وتطبيقه، عن القانون المحلي؛ فمصدر القانون الدولي هو اتفاق الدول، بينما يشكّل الإكراه العرف الحاكم للعلاقات الدولية الراهنة. وعلى الرغم من محاولات دول الجنوب العالمي تغيير قواعد اللعبة، فقد فشلت، مع الأسف. وبالتالي، بعلم أو من دون علم، بحسن نية أو بسوء نية، ساهم العديد من المحامين العرب في إعادة تأطير فهم مشكلة الهيمنة الأجنبية الصهيو-أمريكية في المنطقة من «صراع تحرر» إلى «مشكلة إنسانية». وفي هذا السياق، يقدّم سلام، مبررًا للاتفاق، تفسيرًا حرفيًّا للنص، ويؤطّر العدوان الإسرائيلي بوصفه مشكلة حقوق دول ذات سيادة، لا صراعًا على توازن القوى العالمية، رغم إصراره على أنّ النص ليس قانونيًّا، واعتماده على هذا الادعاء المتناقض للتقليل من أهمية الرقابة البرلمانية على الاتفاق.
وهنا يُعدّ نواف سلام رمزًا لهذا الجيل من المحامين العرب الليبراليين الذين ساروا ضمن المسار الذي حدّدته لهم أهواء النخبة العالمية، غافلين عن جسامة الخطر الكامن في القوة النفاقية لقانون فُهم ومورِس بمعزل عن الواقع الذي يحكمه. فعندما نتعامل مع القانون الدولي بوصفه إطارًا مثاليًّا مترفّعًا عن ضوضاء الواقع، نفتح المجال لما يمكن تسميته «الاستهبال» الدولي للشعوب المضطهدة، المقصود منه وغير المقصود؛ أي تشويه الواقع والاستخفاف بهذه الشعوب.
ولكي ندرس مواضع «استهبال» الشعب اللبناني، لا بد أن نسأل: أين تكمن مصلحة الشعب اللبناني ككل؟ فالشعب اللبناني جزء من بلاد الشام، ولا يفصله عنها إلا حدود رسمها رجلان أجنبيان خلال جلسة ويسكي وسيجار، ويصادف هذا العام مرور مئة عام على تلك الجلسة المشؤومة. وبرغم كل ما حدث منذ ذلك الحين، يبقى من المؤكد أن العامل الأساسي الذي يعطّل أي محاولة لتحقيق مصالح الطبقات العاملة في بلاد الشام يبدأ بالتدخل الصهيو-أمريكي، بوصفه امتدادًا للتدخل الفرنكو-إنجليزي الذي أطلق هذه المأساة. وقد استندت سياسات الحلف الصهيو-أمريكي في المنطقة إلى استغلال الشقوق في البنية المجتمعية المحلية، واحتواء الأقليات والدول المحيطة بقوة وبريق الدولار. وأجزم أن الرأي المضاد لهذا التحليل غالبًا ما يصدر إما عن مستفيد من هذه المنظومة أو عن متغاضٍ عن جسامة شلالات الدم التي تفتك بالمنطقة، ولا سيما بالفئات الأكثر تهميشًا وفقرًا. ويشمل هذا التحليل سوريا والعراق أيضًا، حيث كان للمشروع الصهيو-أمريكي دور سادي ودموي، خاصة خلال القرن الماضي.
لقد فعّل السابع من أكتوبر سلسلة من الأحداث التي أخلّت بموازين القوة في المنطقة، وفتحت بذلك بابًا حقيقيًا وملموسًا لدقّ المسامير في نعش المشروع الصهيو-أمريكي في المنطقة. لا يمكننا الجزم بما ستكون عليه النتيجة النهائية، لكننا نعلم على الأقل أنه لا مستقبل كريمًا لنا تحت الغطاء الصهيو-أمريكي. ومن ثمّ، تكمن مصلحة شعوب المنطقة في استيعاب هذه الموجة وإثرائها. وترتكز هذه المصلحة على مبرر جيوسياسي بعيد المدى، وآخر وجودي قصير المدى، مفاده أنه بعد أن ترتكب قوة ما إبادة من دون محاسبة، تصبح الإبادة جزءًا من عقيدتها — وقد غدت الإبادة عقيدة عدونا. وفي ظل التفوق العسكري الكمي للعدو، تصبح الوحدة الشعبية ووحدة الموقف بين شعوب المنطقة الاستراتيجية الأهم لضمان فرص نيل حقنا الجمعي في تقرير المصير. وبناءً عليه، يقوم حق تقرير مصير الشعب اللبناني في هذه المعادلة على ركنين: الوحدة الشعبية ومقاومة الاستعمار. ولا تستقيم السيادة من دون الاستجابة لحق تقرير المصير، وإلا تحولت إلى استبداد عبثي. ويُعدّ هذا التحليل محوريًا لأي حديث عن القانون الدولي القائم، في جوهره، على توازنات القوة بوصفها مصدر «الإرادة».
سمّى نواف سلام التدخل اللبناني في هذه الموجة «مغامرات»، مؤطّرًا التحرّك العسكري المقاوم بوصفه مجرد ردّ فعل، ومتغاضيًا عن سؤال جوهري يتعلق بمصلحة لبنان الجيوسياسية على المدى الأبعد وبإرادة الشعب اللبناني. وبنى سلام تحليله للتحالفات في المنطقة على أساس طائفي، يستبعد فيه إمكان تلاقي مصالح الشعب اللبناني والإيراني والفلسطيني (وكذلك السوري والعراقي). وبناءً على ذلك، فإن رفض الدور الإيراني التفاوضي باسم السيادة اللبنانية ليس إلا غطاءً جدليًا لإخفاء قرار حكومي بالتحالف مع القوى الصهيو-أمريكية ضمن معادلة صراع القوة في المنطقة.
وإن كان رفع السلاح في مواجهة العدو، ضمن معادلة جيوسياسية تخدم مصلحة الشعب اللبناني، يُعدّ تهديدًا للسيادة، فثمة خلل في تمثيل إرادة الشعب وفي «عقده الاجتماعي». وما يسعى إليه سلام هو تهميش هذا الاعتبار وفرض مفهوم نخبوّي للسيادة على الأغلبية باسم القانون. وفي هذه الحالة، يصبح كبت الأصوات المعارضة للاتفاق والتنكيل بها (بمساعدة أمريكية لم ينكرها سلام) شرطًا من شروط هذه «السيادة»، ويغدو القرار المتخذ باسمها وقودًا لتفريق الشعب، فيما تُستخدم فزاعة الحرب الأهلية لإسكاته وحصره في حالة «تعليق» دائم.
إضافة إلى ذلك، فإن وصف هذا التحرّك العسكري بـ«المغامرات» ينطوي على تغاضٍ عن إشكالية مركزية في سؤال الإرادة، وهي أن جزءًا كبيرًا من الشعب اللبناني قد وافق على هذه الخيارات العسكرية. ولا يمكن تفسير هذا التوجه حصرًا من خلال القالب الطائفي على نحو يُقصي الأبعاد الطبقية والاقتصادية والجيوسياسية الأوسع، التي أسهمت في تشكيل مواقف الرأي العام. أما في تقييمه لنجاح هذه العمليات أو فشلها، فينحصر معيار سلام، بوصفه محاميًا ليبراليًا، في البعد الإنساني الآني، مع التركيز على الضحايا والدمار، وتجاهل البعد الجيوسياسي الأبعد.
وبالتالي، فإن واقع الاتفاق يتعارض جذريًا مع مساري مقاومة الاستعمار والوحدة الوطنية، وهما الشرطان الضروريان لضمان فرص تقرير المصير اللبناني. ويبرر سلام هذا التعارض بالاستناد إلى السيادة اللبنانية، والضرورة السياسية، والمكاسب الرمزية.
يؤكد سلام مرارًا أن أبرز إنجاز للاتفاق هو تثبيت السيادة اللبنانية. وهنا يطالب عمليًا بتصديق نص مكتوب بمعزل تام عن الواقع. فالسيادة الفعلية ترتبط بالقدرة على حماية الأرض، ولا تستقيم سلطة سيادية من دون قوة تضمنها. قد لا تكون هذه قاعدة مدوّنة في كتب القانون، لكنها ثابتة في تاريخ القانون الدولي. فكيف يمكن لاتفاق مع عدو يعلن صراحة نيته الاستعمارية، وقد مارسها سابقًا في لبنان وجواره، أن يؤسس لسيادة حقيقية؟ إن السيادة التي يروّج لها سلام تبدو أقرب إلى راحة للنخبة اللبنانية التي تسعى إلى إدارة البلاد بلا «ضوضاء» ناتجة عن «مغامرات»، مع حصر مشكلات الطبقات العاملة ضمن إطار إنساني تبعي ممول خارجيًا.
وعندما يُواجَه سلام بتحديات حول مفهومه للسيادة، يدعو إلى الواقعية والبراغماتية. غير أن هذا المنطق يفترض أن الاتفاق كان السبيل الوحيد لوقف إراقة الدم، متجاهلًا السياق التفاوضي الأوسع، بما في ذلك الدور الإيراني وقدرته التفاوضية الأعلى نسبيًا. فإذا كان يرى أن هذه «المغامرات» انطلقت باسم إيران، فلماذا لم يُفسح المجال لتوظيف هذا الثقل التفاوضي لوقف النزيف؟ لا يبدو هذا الموقف مبررًا إلا باعتباره رفضًا مبدئيًا لأي تحالف استراتيجي مع إيران، وهو رفض يصعب تبريره بمعايير الواقعية والبراغماتية إذا ما نُظر إلى مصلحة الشعب اللبناني ككل.
أما في ما يتعلق ببند التنازل عن حق ملاحقة العدو أو المطالبة بالتعويضات، فيؤكد سلام أن هذا التنازل مؤقت، مستشهدًا بحالات مشابهة في تجارب تحررية تاريخية. غير أنه يتجاهل أن الفعالية القانونية لمثل هذه المطالب مشروطة بتغيير المعادلة الجيوسياسية، وأن حركات التحرر في الجزائر وجنوب أفريقيا فاوضت من موقع يسعى إلى تحدي المنظومة لا الامتثال لها. وهذا هو الدرس الذي تكشفه أيضًا الجهود الحقوقية خلال الإبادة، والتي بقيت فعاليتها مرهونة بتبدّل موازين القوة، وهو ما يسير هذا الاتفاق في الاتجاه المعاكس له. وعند سؤاله عن «المنطقة التجريبية» وآلية الانسحاب، تستند إجاباته إلى افتراض حسن نية الطرف الإسرائيلي، مقابل افتراض سوء نية حزب الله، بما يفضي عمليًا إلى تبرير الاعتماد على الكبت الأمني والعسكري للأصوات المعارضة بوصفه وسيلة لضبط أي تشكيك.
يمثّل نواف سلام، في هذا السياق، جيلًا من المحامين العرب الليبراليين النخبويين الذين قبلوا توظيف القانون على نحو يُفضي إلى تشويه إرادة الشعوب بما يتوافق مع مصالح المنظومة العالمية. وقد بلغت راديكالية هذا المسار ذروتها في الاتفاق الأخير، الذي جاء في قلب معركة مصيرية تتمحور حول الإبادة. ولعل الدرس الأبرز هو أن التحرير والوحدة الشعبية لا يمرّان إلا عبر قراءة حقوقية تحررية متصلة بواقع القوة، لا منفصلة عنه.
