Juillet
تموز
21
2026
21
- تموز
- 2026
القضية المركزية
ذكرى
18-04-2026
 
هناك في «مجدل الشهداء»
  عمر نشابة  

شهادة من مراسم تشييع 44 شهيداً في بلدة مجدل سلم جنوب لبنان، ترصد مشاهد أمهات الشهداء والأطفال والمقاومين، وتوثّق أثر العدوان الإسرائيلي ومعاني الصمود والثبات في واحدة من أكثر القرى تضرراً.

شاركت يوم السبت الفائت في مراسم تشييع أربعة وأربعين شهيداً من أبناء بلدة مجدل سلم الجنوبية بدعوة من إخوة لي من أبناء البلدة. لم تكن مجرد مراسم تشييع، بل كانت شهادة حيّة على معنى الصبر والإيمان والثبات.

هناك، في تلك البلدة التي بات يسميها أهلها «مجدل الشهداء» شعرت أن الكلمات تضيق عن وصف ما رأيته، وأن الأخبار تفقد معناها حين تتحول إلى وجوه وإلى أمهات وإلى أطفال وإلى أحلام لم تكتمل. أربعة وأربعون شاباً عادوا إلى قريتهم، الى مسقط رأسهم، للمرة الأخيرة. بعضهم كان قد تخرج حديثاً من الجامعة، وبعضهم كان لا يزال يتابع دراسته، يحلم بمستقبل واعد كأي شاب في هذا البلد. أحدهم كان قد تزوج حديثاً واستشهد بينما كانت زوجته حامل، وآخر اب لخمسة أولاد، اكبرهم يبلغ 12 سنة.

ومن بين الشباب المجاهدين الشهداء من كان قد خطط ووضع مشاريع للمستقبل، لكن الحرب خطفتهم قبل أن يحققوا أحلامهم. هم شباب قدّموا كل ما يملكون دفاعاً عن أرضهم وبيوتهم وقراهم وكرامتهم ولم يتراجعوا أو يستسلموا، أو يهربوا، بل صمدوا وقاتلوا حتى الشهادة.

منذ اللحظة الأولى كان المشهد طاغياً. آلاف الرجال والنساء والأطفال بلباسهم الأسود احتشدوا في ساحة عاشوراء. لم تكن هناك بقعة إلا وفيها صورة شهيد، أو أم تحمل صورة ابنها، أو زوجة تحتضن صورة زوجها، أو أخت ترفع صورة أخيها، أو طفل يبحث بعينيه عن وجه والده في صورة أصبحت كل ما تبقى له.

لفتني أن السواد لم يكن لون الثياب فقط، بل كان اللون الذي غطى البلدة كلها. لكن الورود الحمراء التي حملتها بعض الأمهات لتنثرها على النعوش، والأوشحة التي طُبعت عليها صور الشهداء تقول إن الحب لا يموت حتى في أكثر اللحظات قسوة والما. أكثر ما استوقفني لم يكن عدد المشيعين، ولا حجم الحزن، بل الناس أنفسهم.

منظم المناسبة كان يدير كل تفاصيل التشييع وهو يجلس على كرسي متحرك. قبل أشهر استهدفته طائرة إسرائيلية مسيّرة، فبُترت ساقاه وما زالت قضبان الحديد مثبتة في فخذه. ومع ذلك كان يتابع كل صغيرة وكبيرة؛ يوجه الشبان، ويراقب حركة النعوش، وينظم دخولها إلى الساحة، ويرتب عرض الأفلام الوثائقية عن الشهداء، وتوقيت تلاوة القرآن الكريم، ثم عرض كلمة للسيد القائد الشهيد حسن نصر الله، وحتى رشّ المياه الممزوجة بماء الزهر على الناس للتخفيف من قسوة شمس تموز على المحتشدين.

وفي مكان آخر، وقف عريف المناسبة على المنصة. كان صوته يملأ الساحة، لكنه كان يحمل أيضاً آثار الجريمة التي ارتكبها العدو الإسرائيلي بتفجير أجهزة «البايجر». فقد إحدى عينيه، كما فقد عدداً من أصابع يديه، لكن الإعاقة لم تمنعه من الوقوف أمام آلاف الناس. كان يتحدث بصوت ثابت عن المقاومين وعن صمودهم وعن تصميمهم على مواصلة مواجهة الاحتلال مهما بلغت التضحيات. كنت أنظر إلى جسده الذي يحمل آثار الحرب وأستمع إلى كلماته التي كانت أقوى من الجراح نفسها.

وفي جوار الساحة حسينية القرية مدمرة بعدما استهدفها القصف الهمجي الإسرائيلي. لم يبق منها إلا المطبخ. هناك كانت أمهات الشهداء. لم يجلسن في الصفوف الأولى، ولم ينشغل بعضهن بتلقي التعازي. كن يطبخن عن أرواح أبنائهن. فبعض الأمهات لم يشاركن في مراسم التأبين لأنهن كن منشغلات بإعداد الطعام للناس.إحدى أمهات الشهداء أصرت أن ندخل إلى المطبخ. لم ترض أن نغادر قبل أن نأكل عن روح ابنها الشهيد. لم تكن تقدم لنا طعاماً فحسب، بل كانت تقدم درساً في معنى الأمومة التي لا تنتهي باستشهاد الابن. كم نردد أن الدنيا أم، وأن الجنة تحت أقدام الأمهات. لكن في مجدل سلم لم تعد هذه الكلمات حديثاً نردده، بل رأيتها متجسدة أمامي. شعرت أن أمهات مجدل سلم هن التجسيد الحقيقي لهذه المعاني؛ أمهات يدفنَّ أبناءهن، ثم يقفن ليطعمن الناس ويستقبلن المعزين ويدعون لهم بالصحة والسلامة.

وفي المقبرة، كان الوجع قد بلغ ذروته. اختلطت دموع الأحبة برطوبة النعوش، وامتزج البكاء بالصلاة، وعلا صوت التكبير حتى خُيّل إلي أنه يعبر التلال وصولاً إلى وادي السلوقي، حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي يسعى إلى التوغل لاحتلال ارضنا.

ورأيت أطفالاً رفضوا أن يتركوا نعش والدهم. ساروا خلفه حتى القبر، متمسكين بأطراف الراية الصفراء التي غطت التابوت، يمسحون بها وجوههم الصغيرة، وكأنهم يبحثون عن آخر لمسة من أبيهم.

ورأيت فتاة وقفت بعيداً عن الحشود. لم تكن تصرخ، ولم تكن تبكي بصوت مرتفع. كانت تعانق صورة أخيها الشهيد، تنظر إليه بين لحظة وأخرى، ثم تمد يدها وتمسح وجهه في الصورة برفق، وكأنها تلامسه حقاً، أو تطمئن نفسها بأنه ما زال يبتسم لها كما كان يفعل دائماً.

ورأيت شيخ البلدة، وقد أثقلته السنين وكان يمكنه أن يعتذر عن الوقوف، لكنه رفض. صعد إلى المنبر بصعوبة، وحيّا أهالي الشهداء، وذكّرهم بقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾.

لكن أكثر ما بقي في داخلي لم يكن مشهداً بعينه، بل شعوراً رافقني طوال ذلك اليوم. في مجدل سلم لا ترى اليأس. لا ترى الاستسلام. لا ترى الخوف. ترى ألماً هائلاً، نعم. وترى وجعاً يكاد يطغى على كل شيء. لكنك ترى أيضاً عزيمة لا تقل حضوراً عن الألم نفسه.
وأنا أقف في ساحة عاشوراء، بين صور أربعة وأربعين شهيداً، وبين أمهاتهم وآبائهم وأطفالهم، كدت أسمع صدى الحوار بين الإمام الحسين وولده علي الأكبر. «يا أبت... ألسنا على الحق؟» سأل على الأكبر فأجابه الامام الحسين «بلى والذي اليه مرجع العباد» فقال «فإذاً لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا».

قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وقد يختلفون في قراءة الحرب وخياراتها ونتائجها، لكن أحداً لا يستطيع أن يقف في مجدل سلم من دون أن يدرك أن هذه البلدة دفعت ثمناً هائلاً، وأن وراء كل صورة شهيد أماً وعائلة وبيتاً وحياة ترفض الانكسار.

غادرت مجدل سلم وأنا أحمل في ذاكرتي مشاهد لن أنساها: أم تطبخ عن روح ابنها، طفل يمشي خلف نعش أبيه، فتاة تمسح وجه أخيها في صورة، رجل فقد ساقيه يدير مراسم التشييع، وآخر فقد عينه وأصابعه لكنه يخطب بثبات، وآلاف الوجوه التي أثقلها الحزن ولم تنحنِ.

هناك، في ساحة عاشوراء في مجدل سلم، أدركت أن بعض القرى لا تُعرف بعدد بيوتها، المدمرة منها والناجية من الدمار، بل بعدد الذين تركوا فيها أسماءهم وأن الأمهات لا يصنعن أبناءهن فقط، بل يصنعن ذاكرة وطن بأكمله.