Juin
حزيران
07
2026
07
- حزيران
- 2026
قصور العدل
في العمق
27-08-2022
 
المعاينة والفحص ... و«العتمة»
  سمر فرحات، جنان الخطيب  

هناك، خلف باب العيادة النسائية، تزدحم احياناً الأفكار والمشاعر التي تسيطر على «المريضة». وبينما يتعامل معظم الأطباء باحترام ومهنية، لا بد من الإضاءة على بعض الحالات التي تشهد سلوكيات لا تتناسب مع اخلاقيات المهنة. في بعض هذه الحالات قد تجد "المريضة" نفسها في حالة ذهول، أو ربما  تشعر بالقلق و«العار». قد تبدأ بالبكاء أو تضحك بعصبية. كل الاحتمالات واردة، ولكن المؤكد  ان قصتها ستكون في «العتمة»، وستندرج ضمن قائمة «ولو عيب... هيدا حكيم»، خصوصاً في ظل الفوضى التي يعيشها لبنان مع تردي الاوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، ومع انعدام الثقة بجزء من الجسم القضائي وعدم ضمان الوصول للمحاكمة العادلة ومعاقبة الجاني.

تتضرر العلاقة بين المريض والطبيب عندما يكون هناك ارتباك بشأن الأدوار المهنية والسلوك، أو الافتقار الواضح للنزاهة التي تسمح بالاستغلال الجنسي والأذى. فسوء السلوك الجنسي من قبل قلة من الأطباء هو، في المقام الاول، إساءة استخدام للسلطة المهنية وانتهاك لثقة المريض وتشويه للجسم الطبي بشكل عام. لذلك يساعد شرح الفحوصات الجسدية بشكل مناسب، وإجراؤها بموافقة المريض، وبالحد الأدنى من الاتصال الجسدي، في خلق بيئة آمنة لجميع المرضى. إضافة الى ان أطباء التوليد وأمراض النساء ملزمون، أخلاقياً ومهنياً، بالإبلاغ عن أي سوء سلوك جنسي مشتبه به من قبل أي متخصص في الرعاية الصحية إلى السلطات المختصة من دون قلق من الانتقام. كما يعد تثقيف الأطفال حول أجسادهم واستقلالية أجسامهم ولمساتهم الآمنة وغير الآمنة منذ الصغر طريقة مهمة للحفاظ على سلامتهم، وخصوصاً الأطفال من ذوي الاحتياجات الاضافية.

«الدكتور عم يفحصني بطريقة غريبة، لهونيك ما بقا بدي روح»، هذا ما قالته ريم، ابنة الـ١٤ عاماً، لوالدتها بعد عدة زيارات لعيادة الطبيب النسائي. أمّا علا فلم تكن تعلم بأن زيارتها للعيادة النسائية ستكون بهذا السوء. بعد دقائق من دخولها غرفة الفحص، بمفردها، وما إن علمت الطبيبة أنها «غير متزوجة»، حتى تغيرت ملامح وجهها وتبدلت كلماتها، لتشعر علا وكأنها في محاكمة وليس في مراجعة طبية. تقول علا لـ«القوس»: «لا زالت بعض الفتيات في مجتمعنا تفكر ألف مرة قبل زيارة العيادة النسائية تجنباً لما قد تتعرض له من مضايقات كلامية أو اتهامات بالانحراف».
مضايقات ومواقف عدة يمكن ان تتعرض لها الفتيات والنساء داخل العيادات النسائية قد تُصنف ضمن قائمة التحرش، سواء جنسياً أو لفظياً. إلا أن الخجل وعدم وجود الوعي الكافي يبقي غالبية هذه القصص طي الكتمان، إضافة إلى الخوف من اتهام المريضة بالمبالغة نتيجة غياب الشهود والدلائل الكافية لإثبات واقعة التحرش.

تُعتبر زيارة عيادات الطبّ النسائي ضرورة لكل فتاة وامرأة، وتنصح منظمة الصحّة العالميّة بزيارة طبيب النساء مرة كل عام على الأقل، كما توصي الكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد بأن تبدأ الفتيات بزيارة الطبيب النسائي عندما تتراوح أعمارهن بين 13 و15 عامًا لإجراء فحص طبي منتظم والتحدث إلى الفتاة حول تطورها.
إلا أن ربط الكشف الطبي النسائي بأفكار مسبقة، كالخجل من الفحص النسائي للحوض أو الصدر، أو تقديم معلومات خاصة عن المرأة وجسدها، إضافة الى الحوادث الأخيرة التي تنشر عن حالات تحرش تعرضت لها فتيات وسيدات داخل العيادات النسائية، كل ذلك يدفع إلى تجنب زيارة الطبيب/ة النسائي/ة إلا عند الضرورة.

في البداية، على المرأة معرفة أن الزيارات المتعلقة بالأمراض النسائية لا تقتصر فقط على الفحص النسائي أو مسحة عنق الرحم، إنما تبدأ بالسؤال عن كل ما يتعلق بالمرأة من نظام حياتها، والأمراض التي تعاني منها، والعادات والعلاقات الجنسية التي تقوم بها، شرط الّا يتخطى الطبيب حدود ما هو متعلق بالحالة الطبية للمرأة.
الى ذلك، من المهم ان يحرص الطبيب على استعمال الالفاظ المهنية اثناء المحادثات مع المرضى، وتجنب اللغة المسيئة أو المهينة جنسيًا. فالفرق كبير بين ان يقول الطبيب اثناء فحص ثدي المريضة: «انت عم تعتني وتحافظي على الثدي بطريقة منيحة، وهيدا الشي صحي ومفيد كتير» أو ان يقول: «صدرك حلو كتير، بعدو مشدود كأنك بنت العشرين»...
غالبية النساء اللواتي شملهن استطلاع الرأي الذي قامت به «القوس» عن العيادة النسائية، قلن إنهن لم يتعرضن للتحرش، الا انه يبدو ان معظم أولئك المشاركات تكلمن بتردد وربما لم يردن الحديث عن أمور يخجلن منها، أو لا يدركن المعنى الدقيق للأخلاقيات الطبية.

تتحدث لينا (40 عاماً) عن زيارتها لطبيب النساء قبل زواجها بأشهر قليلة، وتقول: «عندما أخبرت الطبيب برغبتي الاطمئنان الى صحتي الإنجابية، جاوبني بتهكم واضح أن وزني الزائد وعمري يقفان عائقاً أمام حملي»، وبعد مرور وقت طويل، ورغم إنجاب لينا لطفلين، إلا أنها ما زلت تشعر بـ«الاشمئزاز» كلما تذكرت هذه الزيارة. كلام الطبيب للينا يدل الى نقص في المهنية وتجاوز للمبادئ والمعايير التي تحكم سلوكيات الطبيب وأخلاقياته، وبالتالي فان هذا النوع من التخاطب قد يفتح المجال إلى أمور أخرى أكثر ضرراً، والى سوء سلوك جنسي من قِبل الطبيب الذي قد يوسع هامش الاستغلال الجسدي خلال الفحص الطبي، وقد يترجم لاحقاً على شكل تحرش احتيالي جسدي. وهذا ما يمكن ان يحدث مع بعض ممن يدخلن العيادة النسائية ويخرجن منها، وهن في حالة توتر شديد بعد تعرضهن إما لتعليقات تتعلق بحياتهن الشخصية، أو طريقة الفحص، أو انتهاك لخصوصيتهن.

الأخلاقيات الطبية

من أهم القواعد التي تحكم العلاقة بين الطبيب والمريض هي الأخلاقيات الطبية التي ترسم شكل هذه العلاقة وتضبطها. ومع غياب القوانين المادية، التي تحدد مدة وطريقة المعاينة وهامش التدخل في حياة المريضة وعاداتها الجنسية وغيرها من الاجراءات الطبية التي قد تفتح المجال لسوء سلوك جنسي، تبقى الشعرة الفاصلة بين الفحص الطبي والتحرش خاضعة للطبيب نفسه. فالمسؤولية المهنية للطبيب لا تتطلب فقط تقديم العلاج، إنما منح المريضة الاطمئنان والراحة، والحفاظ على السرية التامة لكل ما يتعلق بمرضاه.
وعن الضوابط الأخلاقية التي يتبعها الطبيب خلال المعاينة، توضح الطبيبة النسائية علا نصر الدين انه أثناء ممارسة المهنة، يفترض ان يتقيد الطبيب بمعايير أخلاقية محددّة، التزاماً بـ«قسم أبقراط»، وأهمها منح المريض الأمان والطمأنينة من خلال شرحه لكل خطوة أو فحص سيقوم به، وأن يتجنب معاينة أي مكان في جسم المريض ليس بحاجة للفحص، خاصة النساء. وتضيف نصر الدين: «على الطبيب ألا يميّز بين مرضاه، فالمريضة التي تزوره في المستوصف لها الحق في معاينة كاملة، ومعاملة حسنة شأنها شأن المريضات اللواتي يزرنه في العيادات الخاصة، وألا يميز بين مرضاه فلا يفرق بين جنسية، أو فئة، أو غير ذلك».

جريمة غير مكتملة العناصر

أقرّ لبنان قانون التحرش رقم 205/2020 الذي يهدف إلى تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه، وقد أحيلت العديد من قضايا التحرش إلى القضاء، بعضها ما زال ينتظر البتّ، والبعض الآخر صدرت أحكام فيه، وكان آخرها الحكم بالسجن لمدة 20 يوماً فقط على «الاستاذ المتحرش» سامر المولوي المدان بالتحرش بطالباته بعد ما تم اعتبار الفعل المرتكب جنحة وليس جناية بحسب القانون.
ورغم إقرار القانون، إلا أن صعوبة إثبات التحرش خاصة داخل الأماكن المغلقة كالعيادات النسائية، تجعل منها في أغلب الأوقات جريمة غير مكتملة العناصر. فكيف يمكن لطفلة لم تتجاوز الثانية عشرة مثلاً أن تثبت أن أحد الأطباء قام بفحصها بطريقة غير لائقة؟ أو كيف يمكن لسيدة أن تثبت أن الطبيب/ة انتهك/ت خصوصيتها، أو تعرضت لأي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي؟ خصوصاً أن إجازة مزاولة مهنة الطب تعطي الطبيب نوعاً من الحصانة التي تخوله فحص المريض بالطريقة التي يراها مناسبة، سيما مع عدم وجود أي نص قانوني يلزمه بطريقة أو مدة أو اية تفاصيل إجرائية اخرى، وان العنوان الأساسي الذي يحكم عمل الطبيب هو مراعاة قانون الآداب الطبية، وقد اشارت «القوس» في الملف الخاص بالأخطاء الطبية الى القانون الذي يحمي المرضى (حقوق المرضى والموافقة المستنيرة/ القانون رقم 574).

خلف باب العيادة ستظهر أهمية أن تكون الفتاة على معرفة تامة بكل ما قد تتعرض له من كشف للأعضاء التناسلية بهدف المعاينة

أما العائق الأكبر الذي يقف أمام فضح هذا النوع من التحرش فهو الخجل والخوف، إذ عبّرت 60% من النساء اللواتي شملهن الاستطلاع عن شعورهن بالخجل والخوف من الحديث عن أي نوع من التحرش قد يتعرضن له. وهكذا، فإن التحقيق الجنائي هنا يفتقر لأهم عناصره، وهو إفادات الضحايا والشهود، ويبقى رفض المريضة بوضوح لكل ما تشعر انه يمُس بها وبخصوصيتها هو الدفاع الأول. علماً ان احتيال بعض الأطباء المتحرشين يشمل «الطمأنة» من ان شعورها بالانزعاج اثناء الفحص امر طبيعي ...   

التربية الجنسية وثقافة «العيب»

يعتقد البعض أن التربية الجنسية تفتح مدارك الأطفال على الجنس، لكن يبدو ان هذا المفهوم غير دقيق. اذ تساعد التربية الجنسية الطفل على تقبل التغيرات التي ستطرأ على جسده، لا سيما الاعضاء التناسلية، وإدراك خصوصية هذه الأعضاء، وهذا ما يؤهله لحماية نفسه من التحرش أو من أي انتهاك قد يتعرض له.
تبدأ التربية الجنسية في سن مبكر من عمر السنتين حتى مرحلة البلوغ، وتتضمن تعريف الطفل على أعضائه التناسلية بأسمائها الصحيحة، والتعريف بوظائفها. والأهم من ذلك، منح الطفل الشعور بالأمان عند طرحه أي سؤال، وأن لغة «العيب» تدور ضمن دائرة محددة، وهي انتهاك خصوصية هذه الأعضاء.
في مرحلة معينة من حياة الفتاة ستضطر والدتها لمرافقتها الى  العيادة النسائية بسبب مشاكل في الدورة الشهرية، أو علاج الهورمونات، او كتلة في الثدي أو غيرها... وهناك خلف باب العيادة ستظهر أهمية أن تكون الفتاة على معرفة تامة بكل ما قد تتعرض له من كشف للأعضاء التناسلية بهدف المعاينة، أو أسئلة محددة قد توجه لها من قبل الطبيب.

تحرش تحت تأثير التخدير

عام 2020، أصدرت محكمة الجنايات في بيروت، حكمها بحق طبيب التخدير ن. ب.، لإقدامه على التحرش بالمريضة ح.ع. بعد خضوعها لعملية جراحية، ظنا منه أنها لا تزال تحت تأثير المخدر.
فعلى الرغم من أن أي «تحرش جنسي» هو أمر شنيع، إلا أن هذه القصة مزعجة بشكل خاص لأن الثقة بالطبيب قائمة بشكل تلقائي بحكم اختصاصه ومكانته، والخضوع للتخدير لإجراء طبي هو إظهار كبير لهذه الثقة. وإضافة إلى فقدان الثقة بالطبيب المتحرش، فإن إحساس المريضة بأنها عاجزة وضعيفة لأنها تحت تأثير التخدير يجعل الموقف أسوأ وأكثر ألماً.

«اغتصاب» من نوع آخر

لم يتوقع طبيب الخصوبة دونالد كلاين، في مدينة انديانابوليس الاميركية، أن فِعلته الشنيعة ستتحول إلى فيلم وثائقي بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً. وثّق فيلم Our Father جريمة كلاين التي تخطى بهل كل الحدود الطبية، والضوابط الأخلاقية والإنسانية، بعد ما قام على مدى كل تلك السنين بتخصيب مريضاته اللواتي كانت ترغبن بالإنجاب من سائله المنوي الخاص، بعدما أوهمهن باستخدام سائل منوي من مانحين غير معروفي الهوية، وأن كل مانح لا يتم استخدامه لأكثر من ثلاث مرات. بدأت خيوط القصة تتكشّف بعد أن قامت جاكوبا، إحدى الفتيات اللواتي ولِدن بطريقة التخصيب ،بفحص حمضها النووي بهدف إيجاد شقيق لها، فكانت المفاجأة وجود أكثر من 94 شقيقاً وشقيقة تطابق حمضهن النووي بشكل كامل. الجريمة الكبرى كانت عندما كان تلجأ الزوجة لإخصاب البويضة بالحيوان المنوي المستخرج من زوجها، الا ان كلاين، ولأسباب غير معروفة، كان يعمد الى اخصاب البويضة بسائله المنوي.

لرعاية صحية أخلاقية

كجزء من الالتزام بأخلاقيات وآداب المهنة وبهدف خلق بيئة آمنة خالية من التمييز والتحرش الجنسي بجميع أنواعه، يتعين على الطبيب استخدام المصطلحات المهنية والأخلاقية في محادثاته مع المرضى، وان يكون على دراية كاملة ودقيقة بالسلوكيات والالفاظ «المحظورة» مهنياً واخلاقياً. علما ان مخاطبة المريض بطريقة غير أخلاقية لا تقتصر فقط على الكلمات والعبارات التي تحمل بين طياتها تحرشاً لفظياً، كأن يقول الطبيب للمريضة خلال التصوير بالموجات فوق الصوتية بطريق المهبل (endovaginal ultrasound) : «يلا افتحيلي اجريكي خلينا نمزمز»، وانما تشمل أمثلة المضايقات غير اللفظية: النظر إلى المريضة لأعلى ولأسفل، أو القيام بإيماءات جنسية بالأيدي أو من خلال حركات الجسم، واستخدام تعابير الوجه مثل الغمز، أو لعق الشفاه.
«طبيب رجالي»؟

يُطلق على الأطباء المتخصصين في تشخيص وعلاج اضطرابات الجنس الذكري والأعضاء التناسلية أطباء المسالك البولية urologists. ولكن لماذا ليس هناك أطباء متخصصون في رعاية الصحة الجنسية والإنجابية للرجال، كالنساء؟ اليس من الضروري أيضا ان يجري الفتى فحصا جسديا عندما يصبح نشيطا جنسياً؟ للتحقق من وجود أي كتل بالخصيتين أو كيس الصفن أو القضيب؟ بالإضافة الى فحص غدة البروستاتا والتحقق من وجود كتل أو تورم في المستقيم. بالإضافة الى توعية الفتى من قِبل مقدم الرعاية الصحية عن كيفية تقليل مخاطر العدوى المنقولة جنسيًا ودور الرجل في تحديد النسل والوقاية من الحمل؟