ينادي بعض اللبنانيين بالفدرالية، وآخرون بإلغاء الطائفية، ومنهم من يتكلم عن هواجس أو تبعات مالية وغيرها من الأقاويل غير المبنية على أي أساس علمي أو تاريخي، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع. النقاش الجاري لا يدل على معرفة حقيقية بتاريخ لبنان. إذ يتغنّى البعض بالمتصرفيّة وهو جاهل بتفاصيل نظامها الرديء الذي أرسى دعائم الطائفية. وفي ظل دولتنا الطائفية، لن يتمكّن أحد من مجابهة أي فساد يحتضنه أسياد أي طائفة، وهنا بيت القصيد. لذلك، رأينا أن من الواجب نشر بعض تفاصيل نظام متصرفيّة جبل لبنان الذي ينصّ على أنظمة بدائية لا تزال البلاد تسير على نهجها، كتعيين القضاة والموظفين من كبار الطائفة، لعلّنا نتّعظ ونتدثّر برداء دولة القانون لا الطائفة. وسنستعين في هذا المقال بنصّ نظام المتصرفيّة بعباراته ومصطلحاته، إذ قُسّم إلى أبواب ليسهل على الباحثين بيان سوء حالنا مذّاك الزمن. فنحن ما زلنا نعيش في نظام المتصرفيّة، ولكن برداء حديث.

ها نحن اليوم، بعد مضي 162 عاماً على نظام المتصرفية في جبل لبنان، ما زلنا كلبنانيين نحلم بقيام دولة وبانتخاب رئيس للجمهورية، لا يُعيّن كالمتصرف من قِبل الدول العظمى بل يُنتخب من قِبل نوّابنا الذي انتخبناهم نحن، لا الذين رشّحهم وجهاء الطائفة وشيخ القرية. نحلم بتعزيز وحدة البلاد وليس بتقسيمها إلى ست مقاطعات تقسيماً طائفياً كمقاطعات المتصرفية، وأن نسمو بالعدالة عبر قضاء عادل ومستقل وليس قاضي صلح لكل طائفة ولا قضاة يعيّنون من قِبل رؤساء طوائفهم.
وإضافة إلى كل المآسي التي خلّفها، ولا يزال يخلّفها، نظام المحاصصة الطائفية والتي أرساها بروتوكول 1861، استُبدل وضع يد "الدولة العلية" على المال الأميري بالاختلاس الذي يمارسه عدد من وجهاء البلاد. وكل كلام عن تقسيم ومحاصصة طائفية ليس إلا تناتشاً للوطن وعودة به إلى ما قبل الاستقلال، لا بل إلى عام 1861 حيث لا مصلحة للبلاد إلا بدولة القانون والمؤسسات، دولة العدالة الاجتماعية، ودولة المساواة، «الدولة المدنية».
النظام وواضعيه
تقرّر نظام المتصرفية واتُفق عليه في 9 حزيران سنة 1861، «نظام لبنان وقرار يتعلقان بتجديد حكومة جبل لبنان»، ووُضِع من قِبل خمس دول أوروبية هي النمسا وفرنسا وبريطانيا العظمى وبروسيا وروسيا، إضافة إلى الدولة العثمانية المشار إليها بالباب العالي.
تعيين المتصرّف وواجباته وصلاحياته
يتولى إدارة جبل لبنان متصرّف مسيحي تنصّبه الدولة العليّة، ويكون مرجعه الباب العالي رأساً، وهو محتمل العزل. وتعهد إليه كل حقوق القوة الإجرائية، وعليه أن يتوفر على حفظ الراحة والنظام في الجبل كله، وإلى تحصيل التكاليف. وبحسب الرخصة التي ينالها من لدن الحضرة الشاهانية، ينصّب تحت عهدته مأموري الإدارة المحلية، ويقلّد الحكّام القضاء، ويعقد المجلس الكبير ويتولى رئاسته، وينفّذ الإعلامات القانونيّة الصادرة عن المحاكم ما عدا الأمور التي ستُذكر في المادة التاسعة (أي الدعاوى الجزائية).
الوكيل يعيّنه وجهاء الطائفة
كل عنصر من عناصر شعب الجبل يمثله لدى المتصرّف وكيل يعيّنه الكبراء والوجهاء في كل طائفة. وينبغي أن يكون للجبل كله مجلس إدارة كبير يؤلف من اثني عشر عضواً، وهم: اثنان مارونیان واثنان درزيان، واثنان من الروم الكاثوليك واثنان من الروم الأرثوذكس، واثنان من المتاولة واثنان من المسلمين. ويكلّف هذا المجلس بتوزيع التكاليف والبحث في إدارة عوائد الجبل ونفقاته، وتبيان آرائه الشورية في المسائل التي يعرضها عليه المتصرّف كافة.
ست مقاطعات إدارية مقسّمة تقسيماً طائفياً
يقسّم الجبل إلى ست مقاطعات إدارية وهي:
أولاً: الكورة مع الجهة التحتية وقطع الأرض المجاورة الآهلة بأقوام على مذهب الروم الأرثوذكس، ما عدا بلدة القلمون الكائنة على ساحل البحر ومعظم سكانها من المسلمين.
ثانياً: الجهة الشمالية من لبنان، ما عدا الكورة حتى نهر الكلب.
ثالثاً: زحلة وما يتبعها من الأرض.
رابعاً: المتن ومعه ساحل النصارى وأراضي القاطع وصليما.
خامساً: الأرض الكائنة في جنوبَي طريق الشام وبيروت حتى جزين.
سادساً: جزين وإقليم التفاح.
المأمور الإداري يُختار من الطائفة «الغالبة»
يكون في كل من هذه المقاطعات مأمور إداري يعيّنه المتصرف، ويختار من الطائفة الغالبة سواءً بعدد نفوسها أو بأهمية أملاكها.
يفترض أن يكون في كل مقاطعة مجلس إدارة محلّي مؤلف من ثلاثة أعضاء إلى ستة، يمثّل عناصر الشعب ومصالح الأملاك في المقاطعة. ويجب أن يلتئم هذا المجلس مرة في السنة برئاسة مدير المقاطعة وبدعوة منه، وعليه أن ينظر قبل كل شيء في كل الأمور القضائية الإدارية، ويسمع مطالب الأهلين ويؤدي المعلومات الإحصائية اللازمة لتوزيع التكاليف في المقاطعة، ويعطي رأيه الشوري في كل المسائل المتعلقة بالمنافع المحلية.
شيخ القرية لأبناء كل مذهب
تقسّم المقاطعات إلى نواح على نمط قريب المشاكلة من تقسيم الأقاليم القديمة، ولا يكون فيها على قدر الإمكان إلا جماعات موحدة الجنس من السكان. وتقسّم النواحي إلى جماعات تتألف من 500 رجل على الأقل، ويكون في كل ناحية مأمور يعيّنه المتصرّف بإنهاء مدير المقاطعة. ويرأس كل جماعة أو قرية شيخ ينتخبه الأهلون ويعيّنه المتصرف، وفي الجماعات أو القرى المختلطة يكون لكل عنصر كافي العدد من الشعب شيخ خاص لا شأن له إلا مع أبناء مذهبه.

قاض لكل طائفة ومجلس قضائي لكل مقاطعة
يكون في كل ناحية قاضي صلح لكل طائفة، وفي كل مقاطعة مجلس قضائي ابتدائي يؤلّف من اثني عشر عضواً، بنسبة اثنين لكل طائفة من الطوائف الست المذكورة في المادة الثانية، ويضاف إليهم المذهب البروتستاني أو الإسرائيلي عندما يكون لأحد من هذه المذاهب مصلحة أو دعوى، وتكون رئاسة المجالس القضائية لكل من أعضائها بدوره كل ثلاثة أشهر.
صلاحية قضاة الصلح
لقضاة الصلح أن يحكموا في الدعاوي التي لا يتجاوز قدرها 500 قرش حكماً غير مستأنف. وأما الدعاوي المتجاوز قدرها 500 قرش فهي من صلاحية المحاكم الابتدائية، على أنه لو عرضت أمور مختلطة وهي الدعاوي الواقعة بين أشخاص مختلفي المذهب، فمهما كانت قيمتها يجب عرضها لدى المحاكم الابتدائية. إلا إذا اتّفق الفريقان على الرضا بصلاحية قاضي الصلح الذي على مذهب المدعى عليه. ثم إنه تبعاً للمبدأ، يجب الحكم في كل دعوى باتفاق الآراء بين أعضاء المجلس، إلا أنه إذا كانت كل الفرق الداخلة في الدعوى تابعة لمذهب واحد فلهم أن يردوا الحاكم لاختلاف مذهبه، غير أن الحكّام المردودين من هذا الوجه لا بد من حضورهم المحاكمة.
درجات التقاضي
تقتضي المحاكمة في الدعاوي الجزائية أن تكون على ثلاث درجات، وهي أن ينظر في دعوى القباحة قضاة الصلح، وفي الجنح والجرائم المحاكم الابتدائية، وفي الجنايات مجلس المحاكمة الكبير، وأما إعلامات الحكم من هذا المجلس فلا يمكن وضعها موضع التنفيذ ما لم تكمل المعاملات الجارية بها العادة في سائر الممالك المحروسة الشاهانية.
الدعاوى التجارية
كل دعوى تجارية ترفع لمحكمة التجارة في بيروت وكل دعوى، ولو مدنية، بين واحد من ذوي التابعية الأجنبية أو أحد الداخلين في حماية أجنبية وبين آخر من أهل الجبل ترفع إلى المحكمة المذكورة.
أعضاء المحاكم
يُنتخب ويُعيّن كل أعضاء المحاكم ومجالس الإدارة بلا استثناء وقضاة الصلح أيضاً، من قِبل رؤساء طوائفهم بالاتفاق مع كبراء الطائفة وتنصّبهم الحكومة. وأما أشخاص المجالس الإدارية فيجب انتخاب نصفهم كل سنة، ويجوز تجديد الانتخاب للذين انتهت مدّتهم.
عزل المرتشين
يجب أن يكون الحكّام أو القضاة بأجمعهم موظفين، وإن أقدم أحدهم على ارتكاب «الرشوة» أو تبيّن للتحقيق أنه أتى ما لا يليق بصفة مأموريته، فهو مستحق للعزل بل مستوجب للتأديب أيضاً على قدر قباحته.
علانية المحاكمة
يجب في المجالس القضائية أو المحاكم على الإطلاق أن تكون المرافعة علانية وأن يعهد بضبط الدعوة إلى كاتب مخصوص. وما عدا ذلك، فلما كان هذا الكاتب مأموراً باتخاذ سجل لقيود الصكوك المختصة ببيع الأملاك الثابتة أو العقار فلا يعمل بهذه الصكوك ما لم تقيّد على أصولها في السجل المذكور.
الصلاحية المكانية وتسليم المجرمين إلى «الدولة العليّة»
إن مرجع الدعوى، على المتهمين من أهل جبل لبنان بارتكاب الجرائم في غير ألوية، هو اللواء الواقع فيه الجرم. وكذا مرتكبو الجرم من أهالي سائر الألوية داخل نطاق جبل لبنان ينبغي أن تجري محاكمتهم والحكم عليهم بدعاوى جرائمهم في جبل لبنان. وبناءً على ذلك، فإن المجترمين في جبل لبنان سواءً كانوا من أهاليه الوطنيين أو من نزلائه المعدودين من أهل ديار أخرى إذا فروا إلى لواء آخر، فكما أن على ضابطه أن يمسكهم بمقتضى الإشعار الوارد من قِبل إدارة جبل لبنان ويسلمهم إليها. كذلك يلزم إدارة الجبل أن تقبض على الفارين إليه من المجرمين في أحد الألوية لبنانين كانوا أو غير لبنانيين وتدفعهم إلى اللواء المذكور بموجب إشعار ضابطة ومأمور والإدارة الذين يتسامحون في إجراء الأوامر الصادرة باسترجاع أمثال هؤلاء المتهمين إلى المحاكم المنوطة بها دعاويهم، أو الذين يجيزون تأخيرات لا يمكن إثبات بنيانها على أسباب شرعية، فتجري عليهم المجازاة بمقتضى القانون كسائر الذين يوارون ويخفون أمثال هولاء المتهمين عن الحكومة. والحاصل أن العلاقات اللازم إجراؤها بين إدارة جبل لبنان والألوية المجاورة لها تكون كالمواصلات الجارية والمتخذة دستوراً للعمل بين سائر السناجق في ممالك الدولة العلية.
7 أنفار لكل ألف نسمة، من دون صلاحيات
إن سبيل المتصرّف إلى إقرار الراحة وإنفاذ القوانين في الأزمنة العادية إنما يكون بواسطة فرقة من الضابطة مجموعة من الأهلين بحسبان سبعة أنفار تخميناً على كل ألف من النفوس. ويجب نسخ سلك الحوالية وإبطال نزول الضابطية على البيوت والاعتياض عن ذلك بأسباب إكراهية، كاستياق المحكوم عليه إلى السجن. فبناءً على ذلك، يمنع مأمورو الضابطة بقيد التأديبات الشديدة، أن يصادروا أهل البلاد بشيء من الأجرة نقداً كان أو عيناً. ويجعل للضابطية ملبس رسمي أو أزياء مميزة لهم في خدمتهم، وأن تبقى طرق بيروت والشام وصيدا وطرابلس تحت محافظة العساكر الشاهانية إلى أن يصدق المتصرّف على أن جند الضابطية صاروا أكْفاء لإتمام جميع الوظائف المحمولة عليهم في الأزمنة العادية. وهذا العسكر يكون لدى المتصرّف وبإدارته، وللمتصرف أن يطلب من الحكومة العسكرية في سوريا الإمداد بالجنود المنظمة في الأحوال غير العادية إذا دعت الضرورة بعد أن يستشير مجلس الإدارة الكبير في ذلك. ويلزم الضابط المعيّن بالذات لرئاسة هذا العسكر أن ينظر مع المتصرّف في تقرير التدابير الواجب اتخاذها. وهو (أي الضابط المومأ إليه) وإن كان مختاراً ومستقلاً بأمور العسكر المحضة، كإجراء الحركات والنظامات الجندية، إلا أن عليه مدة وجوده في الجبل أن يلزم معيّة المتصرّف ويجري العمل تحت عهدته. وفي حال إعلان المتصرّف لرئيس العسكر وإفادته رسمياً أن قد زال السبب الذي من أجله ورد العسكر إلى الجبل يجب عليه إخراجه منه.
7 آلاف كيس من الليرات العثمانية
إن الدولة العليّة تحافظ على حقها المعلوم بتحصيل مال الجبل الأميري المعيّن الآن 3500 كيس، وذلك على يد المتصرّف. على أنه يجوز إبلاغ هذا القدر إلى سبعة آلاف كيس عند الإمكان بحيث أن المال المتحصل يُخصّص بادئ ذي بدء لإدارة الجبل ونفقات منافعه العمومية، فإذا فضل منه شيء رُدّ إلى الخزينة، وإذا اقتضت شدة الضرورة إلى تحسين مجرى الإدارة مزيداً على التكاليف المعيّنة فيرجع في تسوية المزيد إلى الخزينة الجليلة. ولكن من المقرر أن السلطنة السنية لا تقوم بإداء مصاريف المنشآت العمومية وسائر النفقات غير العادية ما لم يتقدّم قبولها لها وتصديقها عليها. ثم أضيفت إلى هذه المادة الفقرة الآتية: أما واردات البكاليك أي حاصلات الأملاك الهمايونية، إذ إنها ليست بداخلة ضمن المال الأميري، فينبغي ادخارها في صندوق الجبل لحساب الخزينة الجليلة.
وقد أُورِدت مادة إضافية في ما بعد تنصّ على أنه:
من المعلوم أن مبلغ 7000 كيس المذكور في المادة 16 من نظام 9 حزيران 1861، لا يُفهم به حد فاصل، فإذا وجب قبل إبلاغ الأموال الأميرية إلى هذا الحد، لا يعزل انتظار انحلال الأزمة الناجمة عن الحوادث الأخيرة.
فيمكن أن تدعو زيادة النفقات المتأتّية عن التنظيم الجديد إلى توزيع التكاليف، ويمكن أن يتجاوز مبلغها سبعة آلاف كيس مضافاً إلى الأموال الأميرية الماضية. غير أن المتصرّف يجب أن لا يستخدم هذا الحق إلا بالتحفظ المطلق، بل يجب عليه أن يجتهد دائماً قبل كل شيء في حفظ الموازنة العادلة بين عوائد الجبل ونفقاته العادية.
ملاحقة الإكليركيين ومنع إيواء المطلوبين
في 6 أيلول سنة 1864، عُدّل النظام وأضيفت إليه مادة تنصّ على أن «يمتنع في الأماكن الإكليركية مطلقاً إجارة اللاجئين إليها مِمَن تطلبهم وتتبعهم الحكومة إكليركيين كانوا أو من عوام الناس».
الراحة والهناء.. لنصف جيل فقط
كتب بولس مسعد، الذي كان مؤيداً بشدة لنظام المتصرفيّة، في كتابه «لبنان والدستور العثماني»:
«في سنة 1859، ثار الكسروانيون على مشايخ بيت الخازن، وعقب ذلك بعض فتن في بلاد الشوف أفضت إلى فتنة عظيمة بين النصارى والدروز وتعرف عند العامة بالحركة الثالثة أو حركة الستين لحدوثها سنة 1860. وعلى إثر ذلك، أرسل السلطان عبد المجيد، فؤاد باشا إلى سوريا وعهد إليه بالاقتصاص من الذين أضرموا نار تلك الفتنة الهائلة. وأرسلت دولة فرنسا ستة آلاف جندي باسم دول أوربا بقيادة الجنرال بوفور والجنرال ديكور. وأرسلت دول فرنسا وإنكلترا وروسيا والنمسا وبروسيا مفوضين إلى بيروت للمداولة والبحث في ما يجب إجراؤه منعاً لتجديد الفتن في لبنان. فاتفقوا بعد مداولات ومناقشات طويلة لا محل لذكرها هنا على سنّ النظام اللبناني الذي على ما فيه من المواد التي لم تعد تنطبق على مصلحة البلاد في الوقت الحاضر، تمتع اللبنانيون بفضله بالراحة والهناء مدة نصف جيل».
(مسعد، بولس. 1909. «لبنان والدستور العثماني». ص.92)

صادق علوية